محمد سعيد رمضان البوطي

313

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وبعد ، فقد دلّ عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا ، على ضرورة تعطيل أو هدم أو تحريق أماكن المعصية التي يعصى اللّه ورسوله فيها وإن اختبأت حقيقة هذه الأماكن عن أنظار الناس وراء مظاهر الخير والبر . وإذا كان هذا هو ما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بمسجد الضرار ، فما بالك بأماكن المعاصي والفواحش التي يعصى اللّه فيها جهارا وعلنا ؟ ! وقد أحرق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قرية بكاملها كان يباع فيها الخمر ، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسمّاه فويسقا « 118 » ، وهذا ما لم يقع فيه أي خلاف بين علماء المسلمين . وفد ثقيف ودخولهم في الإسلام وروى ابن إسحاق أنه صلّى اللّه عليه وسلم قدم المدينة من تبوك في شهر رمضان ، وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف . وكانوا قد تشاوروا بينهم ، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، وقد بايع كلهم وأسلموا . فأرسلوا وفدا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل ، فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة - وهو منهم - فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيّون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند دخولهم عليه ، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحيّة الجاهلية . وأنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا ، ومكث الوفد أياما عديدة يختلفون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام « 119 » . روى ابن سعد : « أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء ، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه » ( أي يقوم على كل قدم مرة من التعب ) « 120 » . روى موسى بن عقبة في مغازيه : « أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد ، وكان أصغرهم ، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خلفوه على رحالهم ، فكان عثمان كلما رجع الوفد ، وقالوا في الهاجرة ، عمد فذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن ، واختلف إليه عثمان على ذلك مرارا حتى فقه في الدّين ، وكان إذا وجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نائما عمد فذهب إلى أبي بكر ، وكان يكتم ذلك من أصحابه ، فأعجب ذلك منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأحبّه . وأخيرا دخل الإسلام أفئدتهم ، ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أفرأيت

--> ( 118 ) راجع زاد المعاد لابن القيم : 3 / 17 ( 119 ) ابن هشام : 2 / 324 ( 120 ) طبقات ابن سعد : 2 / 78